الخميس، 15 نوفمبر 2018

  الدعاء الرقمي



(نشر بجريدة صوت الأحرار الجزائرية:   30   مارس 2009 )
لا أذكر أين قرأت عن ذلك الحاكم العام الفرنسي للجزائر أيام الاحتلال، الذي كان يقول لزواره من الصحفيين والأوروبيين الذين يأتون إلى بلدنا لأول مرة بأن فرنسا قضت على كل المقاومات الجزائرية ولم يبق أمامها سوى جنرالا واحدا؛ وأمام تعجب الأوروبيين من وجود هذا "الجنرال" الجزائري، يخرج الحاكم العام الفرنسي نسخة من المصحف الكريم من درج مكتبه ويريهم إياها قائلا: هذا هو الجنرال المتبقي ويوم نقضي عليه سنضمن البقاء الأبدي لفرنسا فوق هذه الأرض.
"الجنرال" قرآن هو فعلا من حمى الجزائر من البقاء الأبدي لفرنسا في الجزائر. الجزائريون، عندما فقدوا كل شيء ولم يعد لهم أي منقذ من الإبادة والتعذيب والحقرة بكل أنواعها، تكتلوا حول "الجنرال" قرآن. كان لكل قرية من قرى الجزائر جامعها الذي يذهب إليه الأطفال الصغار لتعلم القرآن الكريم.
الجامع الصغير المتواضع المبني عادة بوسائل بدائية واجه الكنائس الجميلة التي كانت تجد كل الدعم من السلطات الاستعمارية وتغلب عليها. أصوات الصبية وهي تحفظ بصوت مرتفع آيات القرآن الكريم المكتوبة بالصمغ على الألواح الخشبية كانت أجمل وأنقى من أصوات أجراس الكنائس، وكانت تصل بسهولة إلى آذان أبناء القرية وتطهر أرواحهم. النسوة عندما كن يمررن بالقرب من الجامع تثقلن الخطوة وأحيانا تتوقفن على بعد معين منه للاستماع لأصوات أبنائهن وهم يرتلون كلام الله.
كلام الله، كان بلسما ساعد الجزائريين على الصبر والتحمل، وساهم في إنقاذ الشعب الجزائري من التمسح والذوبان في الآخر.
في ذلك الزمن كان الشعب الجزائري يعيش دينه بكل بساطة ودون أية تعقيدات، ولما انطلقت الثورة التحريرية استجاب مئات الآلاف لندائها مؤمنين بأن الدين الحق يحث على الجهاد ضد المحتل الأجنبي كما يحث على التميز بالأخلاق العالية والتضحية من أجل الآخرين والعمل الجاد.. هكذا كان مفهوم الإسلام لدى الجزائريين.
تلك كانت صورة من ماض عمره حوالي نصف قرن من الزمن. ورغم أن المدة (نصف قرن) قصيرة نسبيا إلا أنها عرفت تغييرات جوهرية.
تكنولوجيات الاتصال تسير بوتيرة لم تعرف البشرية مثيلا لها من قبل. العالم الغربي الذي بني حضارة تعتمد أساسا على ربح الوقت والجهد يدخل باستمرار تحسينات تخدم البشرية وتسهل البحث العلمي وتبسط الأمور المعقدة، الخ.
في الوقت الذي كان ينتظر فيه أن تستعمل هذه التكنولوجيات من طرف الشعوب العربية لتطوير أداء إدارتها وتحسين التعليم ورفع مستوى الوعي لدى المواطنين والسير نحو ترشيد الحكم وغير ذلك من مختلف القطاعات التي تعاني كلها من التخلف. في هذا الوقت نلاحظ كيف تحول هذه التكنولوجيات، خاصة الأسطوانات المضغوطة وشبكة الانترنيت والبث التلفزي عبر الأقمار الصناعية، لتنويم العرب والمسلمين وإبعادهم عن مركز الإشعاع العلمي ليبقوا مجرد كم مهمل على هامش العالم.
يوميا يتلقى مستعملو الانترنيت رسائل إلكترونية تحمل أدعية يطلب من المرسل إليه قراءتها كذا مرة ثم إرسالها لكذا شخص وبهذا يتحقق له ما يتمناه، وإن أهمل ذلك فأنه سيتعرض لمكروه؛ ويؤكد أصحاب الرسائل باستمرار بان هذه الطريقة صحيحة ومجربة، وهناك الآلاف من الذين تحققت مطالبهم بمجرد القيام بما طلب منهم.. رسائل أخرى عديدة، تحاول تفسير ما هو مفسر وتأكيد ما لا يدعو إلى أي تأكيد. إنها رسائل يعمل أصحابها على إقناع الناس بوجود الله وكأنه جل جلاله في حاجة إلى هؤلاء ليثبتوا وجوده بوسائل وأفكار تافهة: يلتقطون أحيانا صورة تفاحة وأحيانا أخرى حبة بطاطس أو بصل ويقولون أن أسم الجلالة مكتوب عليها. إنهم يبذرون الكثير من الوقت والجهد، ويستعملون آخر التكنولوجيات، للحديث عما هو معروف ومؤكد.
هذه الرسائل، تصيب كل ذي ضمير حي بالإحباط الشديد، فمعظم الذين يعيدون نسخها وإرسالها هم طلبة جامعيون، بعضهم في مستوى الماجستير، فهي بذلك تعبر عن المستوى الفكري الذي يسود في مجتمعنا وفي جامعاتنا بالخصوص. كيف يعقل أن يصدق الطالب الجامعي أن بالدعاء وحده تتحقق المقاصد وتلبى المطالب؟ وإذا كان هذا حال النخبة فكيف يكون وضع العامة من الناس الذين لم تمكنهم الظروف من التعليم الجامعي؟
الطالب الجامعي كان عبر السنين، في الجزائر وفي غيرها من دول العالم، ذلك الإنسان الأكثر تفتحا على الأفكار الجديدة، والمقبل على الحياة، والمؤمن بالمنطق، والرافض لكل ما من شأنه أن يتناقض والعقل. الطالب الجامعي هو الضمير الحي للمجتمع، يواجه الظلم ويرفض الاستكانة والأفكار الجاهزة، ولا يصدق ما يقال له إلا بعد التحليل والفحص.
المؤسف أن بعض طلبة اليوم يقومون بالترويج للدعاء بدل العلم، فلو كانت الأمور تقضى بالدعاء لما بذلت البشرية أي مجهود ولاستكانت إلى الراحة متوجهة إلى الله تعالى طالبة منه تلبية رغباتها. إن الآية الكريمة واضحة جدا، فالله جل جلاله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما أن الله تعالى يفضل الأمة الكافرة إن عدلت على الأمة الظالم أهلها حتى ولو آمنوا. وهل هناك ما هو أكثر وضوحا وأكثر صدقا من كلامه العزيز؟
إنها ليست مجرد حالات نادرة بل هي ظاهرة اجتماعية تتطلب التوقف عندها ودراستها، فمستعملي الشبكة تصلهم باستمرار رسائل من هذا النوع مما يعني أن هناك إرادة لتنويم هذه الأمة العربية أكثر مما هي نائمة. إرادة تريد تحويل القرآن الكريم من "جنرال" يؤسمنت (من إسمنت) المؤمنين ويحميهم من الذوبان إلى مجرد "كابران" منفذ لأوامر لا يعرف مصدرها ولا يفهم أبعادها. لعلها نفس الإرادة التي كانت تفتي بجواز قتل كل من يحمل فكرا مخالفا أو ينظر إلى الأمور بطريقة تختلف عن الطرح السلفي.
الغريب أن هذا المنحى الذي يتخذه ديننا الإسلامي ليس خاصا بالجزائر كما أنه ليس منتوجا جزائريا، فتكنولوجيات الاتصال، هذا الفضاء الرائع الذي يستعمل في جهات أخرى من العالم في حل المشاكل المستقبلية، يستغل من طرف البعض لنشر فكر متخلف يدعو المؤمن إلى الاكتفاء بالدعاء والصلاة. عشرات القنوات التلفزيونية التي ترفع شعار الإسلام، تلقح على مدار اليوم آلاف المؤمنين في كل أنحاء العالم الإسلامي بجرعات الاتكال والخمول والخنوع، كما تقدم لهم فهما خاطئا ومغلطا للكثير من أمور الدنيا والدين، فمن القناة التي يرقي صاحبها على المباشر إلى قناة "إقرأ" التي كانت طوال أيام العدوان الإسرائيلي على غزة تدعو الله أن يدمر إسرائيل، وتطلب من المسلمين الإكثار من الصلاة والدعاء ولم نسمعها تدعو ولو مرة واحدة الحكام العرب إلى تنفيذ أحكام القرآن الكريم.. أليس بهذه الطريقة يقدم هؤلاء القوم أكبر خدمة لإسرائيل؟

الأحد، 14 أكتوبر 2018

واقع التعليم في الجزائر


التعليم في الجزائر إلى أين؟


ما تمر به الجزائر من أزمات في شتى المجالات أمر لا يخفى عن ذي عقل، وقد تتعدد التحليلات والرؤى في تحديد الأسباب ولكلٍ قبلة هو موليها في طرحه للمسببات والحلول. ما نريد أن نطرحه في هذا المقام هو أزمة التعليم في الجزائر وما يتهدد مستقبل الأجيال القادمة. عندما نتكلم عن مستقبل هذه الأجيال هنا نقصد حقهم في تعليم سليم يؤمن مستقبل هذا الوطن ومنه مستقبلهم.
قد نتفق أو نختلف مع الرجال الذين حكموا الجزائر منذ الاستقلال إلى بدايات التسعينات، لكن ما تم إنجازه في ميدان التعليم شيء يحسب لتلك المرحلة. فلقد كانت المدرسة الجزائرية تحظى بمستوى محترم، أكان ذلك خلال مرحلة ما قبل التعريب أو ما بعدها أو كان في فترة التعليم قبل إصلاح السبعينيات أو بعده (الأساسي).
كما قطع التعليم الجامعي في الجزائر أشواطا لا بأس بها في ميدان التكوين مع أنه لم يقطع أشواطا مماثلة في مجال البحث العلمي. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تواجد نية خلال تلك الحقبة في النهوض بالتعليم بغض النظر عن الاجتهادات والإخفاقات. ولعل النقائص التي شهدها مجال التعليم والبحث العلمي في تلك المرحلة لها ما يبررها، ويمكن تفهمها في سياقها الزمني. لكن الذي يشهده التعليم منذ عقدين لا يمكن وصفه إلاَ بعملية الهدم المنظم سوى كان ذلك بحسن أو سوء نية.
يلاحظ المتتبع لحالة انهيار التعليم في الجزائر أن إرهاصاته بدأت في منتصف التسعينات إلى أن تجلت فيما يعرف بـ »إصلاحات بن زاغو » وما تخللها من تقلبات في تغيير البرامج والمنظومات، حيث تم الانتقال من منظومة إلى أخرى في بضع سنين. والحقيقة الأخرى التي تدعو إلى الاستغراب أن إصلاحات بن زاغو -والتي يتم تنفيذها على أرض الواقع- لا يعلم تفاصيلها ونصوصها أحد، بمن فيهم أعضاء البرلمان، ولم يتم نشرها إلى يومنا هذا.
والأغرب أن خليدة تومي (الناطقة آنذاك باسم الحكومة) صرحت أنه من حق الحكومة أن تخفي ورقة الإصلاحات عن الرأي العام، وهو شيء يدعو إلى الاستغراب فعلا. إن المرء ليس بحاجة اليوم إلى أن يطلع على محتوى هذه الإصلاحات أو المنظومة التعليمية السائدة ليبدي رأيا فيها لأن النتيجة نعيشها بأم أعيننا من تجهيل لأبنائنا وتسطيح للتعليم بحيث أصبح مستوى نسبة كبيرة من حاملي شهادة الباكلوريا يقارب مستوى المسجلين في برنامج محو الأمية.
كيف لا ونتائج الباكلوريا أصبحت تحدد بقرار سياسي ووصلت أرقاما قياسية في السنوات الأخيرة، وهو ما ينمّ عن عدم وجود أية نية في رفع مستوى التعليم، إذ ينصب الاهتمام على إيهام الرأي العام بأن الإصلاحات تؤتي أكلها، وذلك من خلال رفع نسب النجاح في الباكلوريا وكذلك في باقي شهادات التعليم. وعلى الرغم من ذلك هناك شبه إجماع على أن الحقيقة بعيدة عن ذلك تماما حتى بين عامة الناس من متوسطي المستوى التعليمي، ناهيك عن وسط الأكاديميين.
تنكشف حقيقة مستوى حاملي شهادة الباكلوريا في العقد الأخير عند التحاق هؤلاء بالجامعة، حيث يصطدم أساتذة الجامعة بمستوى يدعو فعلا للدهشة ويجعلهم يتساءلون: ماذا كان يدرس هؤلاء؟ أو كيف تمكنوا من تجاوز امتحان شهادة الباكلوريا وهم لا يملكون أية مؤهلات أو تحصيل علمي يمكنهم من مواصلة تعليمهم في الجامعة؟
قد يتفهم المراقب تدني مستوى نسبة صغيرة من حملة الباكلوريا لكن أن يصبح أغلبية حاملي هذه الشهادة بهذا المستوى فذاك أمر كارثي يدعونا للتوقف عنده. في الواقع ليس من الصعب فهم كيفية تسرب هذا العدد الهائل من الطلبة إلى الجامعة (على الأقل من وجهة نظرنا) : فكما أشرنا سابقا فإن نسب النجاح أصبحت تحدد بقرار سياسي مسبق، بل وصل الأمر إلى تحول الغش في امتحان الباكلوريا إلى ظاهرة يتم التغاضي عنها بشكل شبه رسمي، وهو ما حوَّل الجامعة إلى حاوية لتكديس الشباب، وإيهامهم بأنهم يستحقون صفة الطالب الجامعي.
والسبب الآخر الذي أدى إلى تدني مستوى الملتحقين بالجامعة هو ضعف تكوينهم في فترات التعليم المختلفة لأسباب متعددة. نشير من بين تلك الأسباب إلى تدني مستوى وتكوين الأستاذ المؤطر الذي هو من الخريجين الجدد للجامعة الجزائرية؛ وهو ما يجعلنا أمام ظاهرة على درجة أعلى من التعقيد ويقودنا إلى الحديث عن الجامعة.
الوضع في الجامعة أكثر تشابكا. فمن جهة تواجه الجامعة سيلا كبيرا من الطلبة جلهم تسلل إلى الجامعة في ظل « الكوطة السياسية » والبقية فإن تحصيلها العلمي ومهاراتها لا تؤهلها إلى تلقي تكوين جامعي سليم. ومن جهة أخرى، واجهت الجامعة منذ التسعينات نزيفا كبيرا في حملة شهادة الدكتوراه الذين تشتتوا بين بلدان الشرق والغرب، وجل هؤلاء هم من خريجي العصر الذهبي للمدرسة الجزائرية. هذا النقص في التأطير دفع بالدولة إلى الاستعانة بحملة شهادة الماجستير لسد العجز، وأصبح جل الكادر التدريسي في الجامعة من حملة شهادة الماجستير، وتمنح لهم رتبة أستاذ مساعد ويكلفون بإلقاء الدروس (المحاضرات) وهو ما لا يحدث في أية دولة في العالم بما في ذلك دول العالم الثالث.
لهذا فإننا نجد أنفسنا أمام دورة أو حلقة مغلقة غريبة جدا: طالب ضعيف التكوين وغير مؤهل يؤطره أستاذ غير مؤهل ومن ثم فشلت الجامعة في أداء مهمتها، أو ربما لم يرَد لها أن تقوم بدور الغربلة. ويمكن لنا أن نتصور نتيجة هذه الدورة وانعكاساتها، والتي أصبحنا نعيش نتائجها منذ سنوات. ما زاد في تدهور مستوى التعليم الجامعي هو دخول المنظمات الطلابية على الخط بشكل سلبي تماما، وأصبحت الجامعة ساحة لممارسة الضغوط السياسية والمزايدات وكذلك الابتزاز المالي.
تجدر الإشارة أيضا إلى ظاهرة خطيرة أصبحت تغزو الجامعات الجزائرية، وهي ظاهرة يمكن أن نطلق عليها اسم « تأنيث التعليم »، حيث أصبح مايقارب 75% من طلبة الجامعة من الإناث، بل بلغ الأمر أنه في بعض التخصصات العلمية وصلت النسبة إلى 95 % وهذا مؤشر خطير عن خروج نصف المجتمع الآخر من المنظومة التعليمية وتحوّله إلى طاقة معطلة على الرغم من ريادته للنهضات العلمية تاريخيا. أقول هذا ليس انتقاصا من دور المرأة بقدر ما هو واقع اجتماعي وتاريخي يستوجب الوقوف عنده.
إن ما يحدث في الجزائر هو جريمة في حق هذه الأمة يجب أن تستوقف كل غيور عن هذا الوطن مهما كان توجهه السياسي أو إيديولوجيته. نؤكد على هذا لأنه لا يبدو أن أصحاب القرار في الجزائر يقرون بمصيبة التعليم في الجزائر لا على مستوى التربية الوطنية ولا على مستوى التعليم العالي، بل هناك تمادٍ وإصرار على نفس المنهج والاكتفاء بلغة الكم والأرقام.
ولغة الأرقام هنا تعطي صورة مغالطة تماما لحقيقة العملية التعليمية. فلو تمت المقارنة بدولة كسويسرا، التي تمتلك إحدى أرقى المنظومات التعليمية في العالم، نجد أن نسبة الطلبة الذين يتمكنون من الالتحاق بالجامعة من مجمل المنتظمين في الدراسة لا تتعدي 15 %. والواقع أن المنظومة السويسرية تستحق تفصيلا أكثر، ربما نعود إليها في وقت لاحق عند الحديث عن سبل إصلاح التعليم.
إن فساد التعليم يختلف في تأثيره عن الفساد السياسي أو الاقتصادي، لأن فشل جيل أو جيلين في الحصول على تعليم سليم سيكون له أثر كارثي ومباشر على الأجيال القادمة، وعملية إصلاح الوضع قد تكون فاتورتها غالية جدا وتتطلب أجيالا. إن ما يتم إنجازه حاليا في الجزائر من بنية تحتية تتمثل في بنايات أسمنتية وطرقات قد لا نجد جيلا يستطيع استلامها مستقبلا ويكون قادرا على حسن تسييرها إن استمرت العملية التعليمية بهذه الوتيرة.
وما سيزيد الأمر تعقيدا بالنسبة للأجيال القادمة هو نفاذ المصادر البترولية التي يقوم عليها الاقتصاد الجزائري ما يجعل الجيل القادم يستلم بلدا دون مقدرات مالية أو بشرية، ومن ثم فالوضع سيؤدي حتما إلى انعكاسات سياسية واقتصادية كارثية، وربما انهيار اجتماعي قد يدخل البلاد في متاهات لا يعلمها إلا الله .
للأسف أن ما يخشاه كل غيور عن هذا الوطن قد حصل بالفعل. فلقد نجح وزير التربية الحالي، والذي يبدو أننا نسينا الوزير الذي سبقه، في الإتيان على المنظومة التربوية والتعليمية من القواعد وأخرج لنا جيلا لم تشهد له الجزائر مثيلا على الرغم من الأموال الطائلة التي يتم صرفها في هذا القطاع وبشكل غير مسبوق.
بينما لو سألنا التلاميذ أو أولياء أمورهم عن أهم إنجازات أو أي مشهد يستحضرونه من هذه العهدة فستكون الإجابة حتما إشكالية لون المآزر وتوحيد ألوانها التي أصبحت قضية جوهرية عند كل دخول مدرسي، وكابوس للعائلات الجزائرية عند كل دخول اجتماعي، وقد يستحضرون أيضا كمية الكتب التي تجاوز عددها 12 كتابا لتلميذ لم يتجاوز عمره 7 سنوات.
هذا يجعل الملاحظ يتساءل عن السبب من وراء بقاء هذا « الوزير الخالد » على رأس التربية في الجزائر لمدة تجاوزت المعقول. وأي إنجازات قام بها حتى تجعل حكام البلاد يتمسكون به على الرغم من تعاقب رؤساء وحكومات ووزراء على هذه البلاد؟
لا أريد أن أجتهد في الإجابة عن هذا السؤال ولكن أتركه للقارئ وللتاريخ لأن ما يحدث في الجزائر الآن يتجاوز حدود الاجتهادات، وربما يتجاوز ذلك بكثير ليصل درجة العمل المنظم والمؤامرة على مستقبل هذه البلاد
جمال ضو 
نقلا عن جريدة 
LE QUOTIDIEN D'ALGERIE